الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
468
انوار الأصول
الإكمال من ناحية البشر ، بل أضعف ممّا يتداول في العصر الحاضر من وضع القوانين من ناحية الوكلاء المنتخبين من الناس فإنّ نتيجته قانون واحد لبلد واحد لا قوانين كثيرة بعدد آحاد الفقهاء ، ولنعم ما قال مولانا أمير المؤمنين فيما روي عنه عليه السلام في نهج البلاغة في ذمّ الفتيا حيث قال : « ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم ، فيصوّب آراءهم جميعاً وإلههم واحد ونبيّهم واحد وكتابهم واحد أفأمرهم اللَّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ، أم نهاهم عنه فعصوه » « 1 » . وهو مخالف أيضاً لحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين المانع عن ضلالة الامّة بصريحه ، وخطبة النبي صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع : « أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويباعدكم عن النار إلّا وقد أمرتكم به وما من شيء يقرّبكم إلى النار ويباعدكم عن الجنّة إلّا وقد نهيتكم عنه » « 2 » ، بل هو مخالف لقوله تعالى : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . » فإنّ الدين الكامل لا يحتاج في تشريعاته إلى أبناء البشر واتّباع امّته ، والإنصاف أنّهم لم يقعوا في هذه المشكلة إلّا بترك الثقل الأصغر أعني أئمّة أهل البيت عليهم السلام فهذه جريمة مترشحة عن ذاك الجرم ونتيجة لذلك الإثم . وعلى كلّ حال لا يخفى في أنّه بناءً على هذا المعنى للسببيّة تدخل الأمارات المتعارضة في باب التزاحم ويكون مقتضى القاعدة حينئذٍ التخيير ( بناءً على كون المصلحة السلوكيّة فيما يكون أمارة اقتضائيّة ، وأمّا إذا قلنا بأنّها ثابتة في الأمارة الفعليّة فتدخل في باب التعارض كما هو ظاهر ) . 2 - ما قال به المعتزلي وهو أنّ لنا واقعاً محفوظاً قد تصيبه الأمارة وقد تخطئ ، ولكنّها في صورة الخطأ توجد مصلحة أقوى من مصلحة الواقع في مؤدّيها ، فتوجب سقوط الواقع عن الفعلية وانقلاب الحكم الواقعي إلى مؤدّى الأمارة . وهذا المعنى أيضاً أجمع الأصحاب على بطلانه ، ويكون مقتضى القاعدة بناءً عليه هو التخيير ( على تفصيل مرّ ذكره بين الحجّية الاقتضائيّة والفعليّة ) لأنّ الأخبار المتعارضة تدخل
--> ( 1 ) صبحي الصالح : خ 18 . ( 2 ) أصول الكافي : ج 2 ، ص 74 .